محمد هادي معرفة

326

شبهات وردود حول القرآن الكريم

وفي حديث الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق عليهم السّلام في جواب مساءلة اليهود : « أنّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فمنعت من أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم وبطلان [ عمل ] الكهنة والسحرة » . « 1 » وهكذا حاول الشيخ الطنطاوي تأويل ظواهر التعابير الواردة في هذه الآيات إلى إرادة التمثيل ، قال - ما ملخّصه - : إنّ العلوم التي عرفها الناس تراد لأمرين : إمّا لمعرفة الحقائق لإكمال العقول ، أو لنظام المعايش والصناعات لتربية الجسم . وإلى الأول أشار بقوله تعالى : وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً . « 2 » وإلى الثاني قوله : وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ . « 3 » وكلّ من خالف هاتين الطريقتين فهو على أحد حالين : إمّا أن يريد ابتزاز أموال الناس بالاستعلاء بلا فائدة ، وإمّا أن يريد الصيت والشهرة وكسب الجاه . وكلاهما لا نفع في علمه ولا فضل له . فمن طلب العلم أو أكثر في الذكر ليكون عالة على الامّة فهو داخل في نوع الشيطان الرجيم ، مرجوم مبعد عن إدراك الحقائق ومعذّب بالذّل والهوان ، وهذا مثال قوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ . وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى ( فلا يعرفون حقائق الأشياء ) وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً بما ركّب فيهم من الشهوات وما ابتلوا من العاهات وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ أي في أمل متواصل ملازم لهم مدى الحياة . فلو حاول أن يخطف خطفة من الحقائق حالت دون بلوغه لها الأميال الباطلة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ . « 4 » نعم إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ . « 5 » ولا شكّ أنّها كناية عن حرمانهم العناية الربّانية المفاضة من ملكوت أعلى . الأمر الذي أنعم به الرّبانيّون في هذه الحياة : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ . « 6 » فملائكة الرحمة تهبط إليهم وهم في مواضعهم آمنون مستقرّون سائرون في طريقهم صعدا إلى قمّة الكمال .

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 17 ، ص 226 عن قرب الإسناد للحميري ، ص 133 . ( 2 ) الحجر 15 : 16 . ( 3 ) الأعراف 7 : 10 ، الحجر 15 : 20 . ( 4 ) الصافّات 37 : 6 - 10 . راجع : تفسير الجواهر ، ج 8 ، ص 13 ، وج 18 ، ص 10 . ( 5 ) الأعراف 7 : 40 . ( 6 ) فصّلت 41 : 30 .